الشوكاني

431

فتح القدير

وروى عن الأصمعي أنه قال : من قرأ " خلقت " بالتخفيف عني به البعير ، ومن قرأ بالتشديد عني به السحاب ( وإلى السماء كيف رفعت ) أي رفعت فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل ، وقيل رفعت فلا ينالها شئ ( وإلى الجبال كيف نصبت ) على الأرض مرساة راسخة لا تميد ولا تميل ولا تزول ( وإلى الأرض كيف سطحت ) أي بسطت ، والسطح بسط الشئ ، يقال لظهر البيت إذا كان مستويا : سطح . قرأ الجمهور " سطحت " مبنيا للمفعول مخففا . وقرأ الحسن : بالتشديد . وقرأ علي بن أبي طالب وابن السميفع وأبو العالية : خلقت ورفعت ونصبت وسطحت على البناء للفاعل وضم التاء فيها كلها . ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالتذكير فقال ( فذكر ) والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها : أي فعظهم يا محمد وخوفهم ثم علل الأمر بالتذكير فقال ( إنما أنت مذكر ) أي ليس عليك إلا ذلك ، و ( لست عليهم بمصيطر ) المصيطر والمسيطر بالسين والصاد : المسلط على الشئ ليشرف عليه ويتعهد أحواله كذا في الصحاح : أي لست عليهم بمصيطر حتى تكرههم على الإيمان ، وهذا منسوخ بآية السيف . قرأ الجمهور " بمصيطر " بالصاد ، وقرأ هشام وقنبل في رواية بالسين . وقرأ خلف بإشمام الصاد زايا . وقرأ هارون الأعور بفتح الطاء اسم مفعول ( إلا من تولى وكفر ) هذا استثناء منقطع : أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير ( فيعذبه الله العذاب الأكبر ) وهو عذاب جهنم الدائم ، وقيل هو استثناء متصل من قوله ( فذكر ) أي فذكر كل أحد إلا من انقطع طمعك عن إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر ، والأول أولى . وإنما قال " الأكبر " لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر . وقرأ ابن مسعود " فإنه يعذبه الله " وقرأ ابن عباس وقتادة " ألا من تولى " على أنها ألا التي للتنبيه والاستفتاح ( إن إلينا إيابهم ) أي رجوعهم بعد الموت ، يقال أب يئوب : إذا رجع ، ومنه قول عبيد بن الأبرص : وكل ذي غيبة يتوب * وغائب الموت لا يئوب قرأ الجمهور " إيابهم " بالتخفيف ، وقرأ أبو جعفر وشيبة بالتشديد . قال أبو حاتم : لا يجوز التشديد ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام ، وقيل هما لغتان بمعنى . قال الواحدي : وأما " إيابهم " بتشديد الياء فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج ( ثم إن علينا حسابهم ) يعني جزاءهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث ، وثم للتراخي في الرتبة لبعد منزلة الحساب في الشدة عن منزلة الإياب . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الغاشية من أسماء القيامة . وأخرج ابن أبي حاتم عنه ( هل أتاك حديث الغاشية ) قال : الساعة ( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ) قال : تعمل وتنصب في النار ( تسقى من عين آنية ) قال : هي التي قد طال أينها ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) قال : الشبرق . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ( وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة ) قال : يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها ( تسقى من عين آنية ) قال : قد أنى غليانها . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( تصلى نارا حامية ) قال : حارة ، ( تسقى من عين آنية ) قال : انتهى حرها ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) يقول : من شجر من نار . وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا ( إلا من ضريع ) قال : الشبرق اليابس . وأخرج ابن جرير عنه أيضا ( لا تسمع فيها لاغية ) يقول : لا تسمع أذى ولا باطل وفي قوله ( فيها سرر مرفوعة ) قال : بعضها فوق بعض ( ونمارق ) قال : مجالس . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا ( ونمارق ) قال : المرافق . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ( لست عليهم بمصيطر ) قال : جبار ( إلا من تولى وكفر ) قال حسابه على الله . وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضا ( لست عليهم بمسيطر ) ثم نسخ ذلك فقال - اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - وأخرج ابن المنذر عنه أيضا ( إن إلينا إيابهم ) قال : مرجعهم .